صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

23

تفسير القرآن الكريم

مكتوبات غيبيّة وقعت في عالم الغيب ، لكنّ أكثر الناس لا يؤمنون بالغيب ولا يعتمدون ولا يثقون إلّا بوجود المحسوس بإحدى هذه الحواسّ . وثانيهما الشمال ، وفيه الملكوت الأسفل وهي المدبّرات السفليّة سدنة البرازخ الظلمانيّة وفيها جحيم الأشقياء ، ولها طائفتان من الملائكة - كما في الأوّل - إحداهما السائقة لأهل النار إلي النار ، والثانية الكاتبة لأعمال السيّئات للفجّار ، لقوله تعالى : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ 50 / 21 ] والطائفة الأولي منهما هي ملائكة غلاظ شداد لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ والطائفة الثانية هي ملائكة بأيديهم أقلام من النار يكتبون المعاصي والشرور وأقوال الكذّابين وأهل الزور ، في صحائف لائقة للاحتراق بالنار لما فيها من الأخبار الكاذبة والكلمات الواهية الباطلة . كما في قوله تعالى : إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ . وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ . كِتابٌ مَرْقُومٌ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [ 83 / 7 ] وهذا الوجه قريب المأخذ ممّا ذكر أوّلا . وذلك لأنّ المراد من أصحاب اليمين وأصحاب الشمال على الأوّل كلّ من أوتي كتابه بيمينه وكلّ من أوتي كتابه بشماله ، والمراد منهما على الوجه الأخير كلّ من كان مآله إلى الملكوت الأعلى وجنّة السعداء مع العلّيين ، وكلّ من كان مآله إلى الملكوت الأسفل وجحيم الأشقياء مع أهل السجّين ، ولا شبهة في أنّ من أوتي كتابه بيمينه كان حشره إلي ملائكة جانب اليمين والعلّيين ، ومن أوتي كتابه بشماله أو من وراء ظهره كان معذّبا بأيدي سدنة النار وزبانية الجحيم المعذبين لأهل النكال وأصحاب الشمال وكان في طبقات السجّين مع زمرة الشياطين فالمآل في الوجهين واحد .